أحمد بن علي القلقشندي
103
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يؤاخذه التقدير قسرا ، والقول لا يجيب مطوّلا ولا مختصرا ؟ فحسبه دعاء هو له رافع ، ولأوقات الخلوات به قاطع ، وإلى اللَّه سبحانه في قبوله ضارع ؛ واللَّه يجيب في المقام العليّ المتوكليّ أفضل دعاء الخلق ، ويضاعف له مع السابقين ثواب السّبق ، ويجزيه خير الجزاء عما أزاله من الباطل وأداله من الحق ؛ وهو تعالى ينصره يوم الباس ، ويعصمه من الناس ، ويبقي رفده للاكتساب ونوره للاقتباس ، ويعرّفه في كل ما يستنبطه من أصل التوكل صحّة القياس ، بمنه والسلام . الأسلوب الثالث ( أن تفتتح المكاتبة بأمّا بعد ، ويتخلَّص إلى المقصد ويختم بما يناسب المقام ) كما كتب أبو المطرّف بن عميرة إلى المتوكَّل بن هود المقدّم ذكره ، عن نفسه ، يهنّئه بوصول هديّة الخليفة العباسيّ إليه من بغداد : أما بعد ، فكتب العبد - كتب اللَّه للمقام العليّ الناصريّ المتوكَّليّ مجدا يحلّ الكواكب ، وجدّا يفلّ الكتائب . من شاطبة ( 1 ) ، وبركات دعوته السعيدة قد طبّقت البسيطة ، وكاثرت البحار المحيطة ، وأنجزت للإسلام أفضل مواعده ، وجدّدت عهده لأهل بيت النبوّة الرافعة لقواعده ، وفسّحت له مجال البشرى ، وأطلعت عليه أنوار العناية الكبرى ؛ فعاد إلى الوطن ، ووجد حال السّهد طعم الوسن ، وأورق عوده واتّسقت سعوده ، وعاد إلى صحّته بالنظر الإماميّ الذي جاء يعوده . وحين صدور رسول دار السلام ، ومثابة أهل الإسلام ، ومقعد الجلالة ، ومصعد إقرار الرسالة ؛ ومعه الكتاب الذي هو غريب ، أنس به الدّين الغريب ، وبعيد الدار نزل به النصر القريب ، وآية بأدلَّتها الصادقة لتبطيل الشّبه الآفكة ، وسكينة من ربّنا وبقيّة مما ترك آل نبيّنا تحمله الملائكة - اطمأنّت القلوب ، وحصل المطلوب ، ودرّت أخلاف الإيناس ، وارتفع الخلاف بين الناس ، وعلموا أن السالك قد أضاءت له المحجّة ، والحقّ لا يعدو من بيده الحجّة ؛ وأن من أمّرته
--> ( 1 ) مدينة في شرقي الأندلس وشرقي قرطبة . وهي مدينة كبيرة قديمة . ( انظر الروض المعطار : 337 ومعجم البلدان : 3 / 309 ) .